الجمعة، 14 مايو 2021

 


                 

  • العطف بين التعاطف والإستعطاف

  • هل يمكنك أن تتذكر آخر مرة كنت فيها عطوفا لطيفا مع شخص ما ، أو كان شخص ما لطيفًا معك ، بدون جدول أعمال ، لمجرد ذلك؟ لنأخذ يوم العطف العالمي  (13 نوفمبر) هذا للالتزام بعمل طيب ، سواء كان ذلك داخل مجتمعك أو عبرم الإنترنت أو تجاه نفسك! 

  • في خضم الحياة نكاد ننسى أو نتجاهل العطف واللطف تجاه من نتعامل معهم من الناس ، بل وتنشأ لدى البعض رغبة أنانية فوقية في تلقي الإستعطاف من الآخرين الأقل شأنا أو ثروة أوتملكا منهم أو هم بحاجتهم .

  • العاطفة هبه معنوية فطرية روحانية من الخالق أوجدها في قلوب كافة المخلوقات ، وبالتالي فهي عطاء عفوي لاتطلب ولاتتداول ، ومتى طلبت إنقلبت إلى إستعطاف فيه مذلة لمن يطلبها وتكبرلمن تطلب منه ، لذا يجب مراعاة الحرص في التعامل مع الآخرين فبين العطف الذي هو عاطفة إنسانية نبيلة والإستعطاف المذل خيط رفيع جارح .

 


إذا تمكنا من النظر في مشاعر بعضنا البعض ، وفهم الأحاسيس الفريدة التي يواجهها كل واحد منا في حياته اليومية،والغائبة عن الآخرين : كضنك المعيشة ، أوالمعاناة من مرض وإعتلال ،التعرض للمعاملة السيئة والقهروالظلم ،خسارة مصدرالرزق والعيش،حرمان العاطفة والعزلة ، وغير ذلك الكثيرمن المصاعب التي غالبا ماتكون غائبة عنا ، والتي يغطيها أصحابها بغلالة من اللامبالاة حفاظا على كرامتهم ،وتقف خلف كثير من التصرفات الحمقاء،…….لوتمكنا سنتعامل مع بعضنا البعض بلطف أكثر ،وبمزيد من الحب والتسامح والرعاية.

 


مجابهة الحياة

سوف تجابهك الحياة بقساوتها ،

ولا أحد يستطيع أن يحميك من ذلك ،

والعيش بمفردك لن يحميك ، لأن العزلة مرهقة أيضا.

عليك أن تتحرك وتطور نفسك. عليك أن تكون منتجا وتتواصل مع الآخرين ،

وعندما يحدث أنك مكسور ، أو تعرضت للخيانة ،

أو تركت وأهملت ، أو جرحت مشاعرك،

فلاتطلب من الآخرين التعاطف معك ولا تجعل من نفسك موضعا للشفقة ،

بل موضعا للتقدير لما لديك من تجارب ومعرفة وسعة إطلاع .

نشرت بتاريخ 22 /11 / 2020

السبت، 19 سبتمبر 2020

         

     أيـــــــــــــام عالبــــــــــــــال          

مشــــــوار بوابـــــة الصالحيــــــــــــة

 

                في أول سبعينات القرن الماضي ، كنت بالإضافة لوظيفتي في المؤسسة الإستهلاكية بدمشق ، أعمل محاسبا في أحد مكاتب السياحة والسفر في ساحة يوسف العظمة ، لمدة ساعتين يوميا بالفترة المسائية . يقع هذا المكتب في الطابق الأرضي لمبنى مديرية الصناعة ، وبالتالي كان على بعد عدة خطوات من مدخل بوابة الصالحية التي تبدأ يسارا من محل وكالة ساعات أوميغا وحتى مبنى البرلمان والحديقة المحيطة به التي تتقاطع مع شارع العابد القادم من ساحة السبع بحرات .

             هي مسافة قصيرة تتلاصق فيها المحلات التجارية ويتزاحم المشاة رجالا ونساء وغالبيتهم بسن الشباب يمشون ببطئ وهم يتطلعون على واجهات المحلات التجارية التي تبيع تشكيلة واسعة ومتنوعة من البضائع وخاصة الأزياء الرجالية ، مثل معارض آسيا ومارينا ، أو الأحذية كمحل "سمرجيان " أو أطقم المالقي للموائد في محل دباس والإسطوانات التقليدية للموسيقى والسنفونيات الكلاسكية في محل شاهين

             مع إقتراب الساعة السابعة مساء تزدحم مداخل دور السينما العريقة الكائنة بالبوابة ، فهذه سينما الزهراء الحديثة تعرض أحدث الأفلام الأجنبية والعربية كذهب مع الريح من بطولة كلارك غيبل ،وتحتها سينما ومسرح ومكتبة الحمراء ، وبالجهة المقابلة سينما أمير تعرض فيلم  " أطول يوم بالتاريخ " يضم معظم نجوم هوليود .بالإضافة للنوادي الليلية مثل  الكازا والحصان الأبيض .

            قبل دخولك صالة السينما سواء بحفلة المتينيه الساعة 7مساء أو حفلة سواريه الساعة 9 ليلا قد تمرّ على محل بيع الموالح اللذيذة الساخنة شتاء أو تذهب مقابله لتتناول قطعة من أطيب"هريسة " بالعالم من دكان البروكي الصغيرة .قد تفاجئ أحيانا وأنت تتمشى وقت الغروب ببعض الإزدحام بسبب إنفضاض إجتماع النواب من مبنى البرلمان ، أو كثرة الدخول لمبنى نادي الضباط بجانبه .

             وهنا تجد نفسك في مفترق طرق مذهل ، فلو تابعت المسير ستصل حتى الجسر الأبيض والعفيف حيث السفارة الفرنسية مرورا بشارع الصالحية وعرنوس ، ويسارا الحارات الصغيرة ذات الطابع الباريسي حيث ساحة النجمة والفرنسيسكان ، والشعلان ، وزقاق الصخر .

                أما لو إتجهت يمينا فشارع العابد حيث مقهى الروضة وبجانبه باعة الجرائد والمجلات بما فيها الأجنبية ، وبعض محلات المجوهرات والمفروشات والأدوات المنزلية ،وكثير من محلات الأقفال ولوازم الأبواب .ويتفرع من جانبيه شوارع ضيقة مزدحمة فيها بعض الخمّارات البسيطة الهادئة ومن أشهرها " خمارة أبومعروف " ملتقى العديد من الشعراء والفنانيين والأدباء والسياسيين ، والأزقة الضيقة التي تتراصف فيها مطاعم السندويش والشاورما والعصائر وصولا لشارع بورسعيد وسينما السفراء والمركز الثقافي السوفيتي..

              قد يتسائل المرء أي من شوارع العالم تشبه هذه المنطقة بمساحتها الصغيرة ومعالمها الثرية ، شانزلزيه باريس أوأكسفورد لندن أم سيكما أثينا ، بالحقيقة هي حالة إختصت بها هذه البقعة من دمشق دون عواصم العالم ،حيث تتلاصق المحلات التجارية التي تعرض أصنافا مذهلة في تنوعها وتتداخل مع الشوارع الضيقة والبيوت السكنية و الجوامع وتتعانق بحميمية مع الأغصان المحملة بزهر الياسمين ، بمنظر ساحر متفرد وحركة دائبة آمنة على مدار الساعة  .

              والآن وبعد مضيّ حوالي 50 سنة من العمر ، تجدني أفتقد تلك الأيام ، والحركات الصغيرة خلال مشوار البوابة ، كنقرشة الفستق الدافئ من محل الموالح ، وحلاوة صحن هريسة البروكي ،وبوسترات أفلام سينما الزهراء ،وأرفف مكتبة الحمراء ، ورائحة كعك أبو محجوب ،ودخان تنباك أراكيل الروضة ،أفتقدها ليس كفكرة فارغة ؛ بل كأحداث مضت وكانت تضج بروح الحيوية وتسطع بأضواء الأمل ،وتتصاعد كالسحاب في السماء ، أفتقدها كأغنية فيروزية في صباحات الشام . كفقدان الشعور بالدفء. وترقب مطر نيسان ، أفتقدها فأشعر بالغصة كأن الطريق فارغ ، و روح الشباب خبت والأمل تبدد وذكريات الماضي تلاشت.













الاثنين، 14 سبتمبر 2020

 يوم من هذه الأيام

قصة قصيره

غابريل غارسيا ماركيز

بزغ يوم الاثنين دافئاً و بلا مطر .. و كالطير فتح " أوريليو اسكوفار " طبيب الأسنان غير المؤهل و المبكر في يقظته , عيادته في الساعة السادسة .. ثم أخرج بعض أسنان صناعية مازالت مركبة في قالب المصيص من الدولاب الزجاجي, و وضع على المنضدة مجموعة أدوات رتبها حسب الحجم .. كما لو كانت للعرض .. و كان يلبس قميصاً مخططاً بلا ياقة, أقفل حول الرقبة بمشبك ذهبي, و بنطلوناً معلقاً بحمالة .. و كان مستقيم العود نحيل الجسم, لا تبدو عليه مسحة المهنة , و كانت هيأته أقرب إلى هيئة رجل أصم ..

و لما فرغ من ترتيب الأدوات فوق المنضدة جذب المثقب إلى قرب كرسي الأسنان و جلس لصقل الأسنان الصناعية .. لقد بدا أنه لا يفكر في العملية التي يقوم بها, بيد أنه راح يواصل العمل و هو ينفخ كور الثقب بقدميه, حتى و هو لا يحتاج إلى ذلك .

و عندما بلغت الساعة الثامنة توقف برهة لكي ينظر من النافذة إلى السماء, فرأى طائرين من الجوارح يجففان نفسيهما في الشمس على إفريز سطح البيت المجاور .. و ما لبث أن استأنف عمله متوقعاً أن يعود المطر إلى الانهمار قبل موعد الغداء .. إلى أن قطع عليه تركيزه صوت ابنه الحاد البالغ من العمر احدى عشرة سنة يناديه .. و لدى سؤاله قال له :

- العمدة يريد أن يعرف إذا كان يمكن أن تخلع سنه ..

- قل له انني غير موجود

و أخذ يصقل سناً مذهبة .. ثم امسك بها على قيد ذراع و فحصها بعينين نصف مقفلتين .. و عندئذ انبعث صوت ابنه صائحاً من غرفة الانتظار الصغيرة :

- العمدة يقول أنك موجود, لأنه يسمع صوتك!..

استمر الطبيب يفحص السن .. و لم يرد إلا بعد أن وضعها فوق المنضدة بجانب ما تمَّ إنجازه من الأسنان, إذ قال :

- الأحسن أن يسمع ..

و أدار الثقب من جديد .. ثم أخرج عدة قطع من " كوبري " من خزانة بها الأشياء التي عليه أن يتمها, و أخذ يصقل الذهب .. و لكن ابنه ناداه مرة أخرى .. فسأله ماذا يريد دون أن تتغير ملامح وجهه, فقال الصبي :

- قال العمدة إنك إذا لم تخلع له السن, فسوف يضربك بالرصاص !..

و بدون ما أدنى تعجل, و بحركة جد هادئة, توقف عن تحريك الثقب, و دفعه على الكرسي, ثم جذب الدرج الأسفل للمنضدة عن آخره, فإذا به مسدس .. و قال لإبنه :

- حسن .. قل له أن يدخل و يقتلني ..

و دحرج الكرسي في مواجهة الباب .. و ظهر العمدة في المدخل و قد بدا خده الأيسر حليقاً, أما الخد الثاني فكان مورماً موجعاً, نبتت فيه لحية عمرها خمسة أيام, فقد شهد العمدة ليالي كثيرة من العذاب و المعاناة بدت آثارها في عينيه المتبلدتين ..

أغلق الطبيب الدرج بأنامله, و قال بليونة : اجلس ..

فقال العمدة : صباح الخير ..

فرد الطبيب بنصف السلام

و بينما كانت أدوات الخلع تغلي, مال العمدة برأسه على المسند حتى شعر بتحسن .. و كانت العيادة متواضعة : بها كرسي خشبي عتيق, و المثقب, و دولاب زجاجي به قناني خزفية .. و أمام النافذة ستار لا يعلو عن ارتفاع الكتف .. و عندما شعر العمدة باقتراب الطبيب, شد على عقبيه و فتح فمه ..

و ما لبث " أوريليو اسكوفار " أن أدار رأس العمدة إلى ناحية الضوء .. و بعد أن فحص السن المصابة أقفل فك العمدة بضغطة محاذرة من أصابعه .. و قال :

- لابد من الخلع بغير مخدر ..

- و لماذا ؟ ..

- لوجود خراج ..

فنظر العمدة مواجهة, ثم قال : لا بأس ...

قالها محاولاً أن يبتسم فلم يرد الطبيب على الابتسامة .. بل جاء بإناء الأدوات المعقمة إلى المنضدة و أخرجها من الماء بملقط بارد ..

كلّ ذلك دون أن يتعجل في حركاته .. ثم دفع المبصقة بطرف حذائه و انتقل لغسل يديه في الحوض .. لقد فعل هذا كله دون أن ينظر على العمدة .. غير أن العمدة لم يرفع نظره عنه لحظة ..

كان المعطوب " ضرس العقل " السفلي .. و ما لبث الطبيب أن وسع قدميه و أمسك الضرس " بالجفت " الساخن .. فتشبث العمدة بذراعي الكرسي ة شد على قدميه بكل قوته و هو يشعر بخواء بادر في كليته, بيد أنه لم يحدث أي صوت .. و لم يكن يتحرك من الطبيب سوى معصمه .. و دون ما ضغينة, بل برفق تشوبه المرارة, قال للعمدة :

- الآن سوف تدفع ثمن قتلانا العشرين !..

شعر العمدة بقصف كقصف العظام في فكه, و امتلأت عيناه بالدموع .. بيد أنه لم يتنفس إلى أن شعر بخروج الضرس .. ثم رآه من خلال الدموع .. و قد بدا غريباً جداً عن الآلام التي كابدها إلى حد أنه عجز عن فهم هذا العذاب الذي تجرعه مدى الأيام الخمسة الفائتة ..

و بينما انحنى فوق المبصقة عارقاً لاهثاً, فك أزرار كسوته الرسمية و مد يده إلى جيب بنطلونه يلتمس منديله .. فأعطاه الطبيب قطعة قماش نظيفة قائلاً :

- امسح دموعك !..

فعل العمدة هذا .. كان يرتعد و بينما أخذ الطبيب يغسل يديه, كان هو يتطلع إلى السقف المتآكل الذي يتدلى منه عنكبوت و حشرات ميتة .. و ما لبث الطبيب أن عاد و هو يمسح يديه .. و قال له :

- اذهب إلى فراشك .. و " غرغر " بماء مالح ..

فقام العمدة, و سلم بتحية عسكرية فاترة, ثم اتجه إلى الباب باسطاً ساقيه, و دون أن يزرر سترته ..

و عند الباب قال : إبعث الفاتورة ..

- لك, أو لمكتب الحكومة ؟..

لم ينظر إليه العمدة, بل قال و هو يغلق الباب : هذا و ذاك سيان, لعنة الله !


الأربعاء، 9 سبتمبر 2020



دع الأحزان
دع الأحزان تذوب في لهيب شمسك ،
دعها تموت باردة ، ممزقة من ذكريات روحك ،
وهكذا ستكون قادرًا على التذكر لكنها لن تؤذي بعد الآن ،
فقط الحكمة التي عرفت كيف تكسبها وستبقى الحب الذي سكبته.
الماء الذي يغمر عينيك الآن سوف يطردك من الاضطهاد في صدرك الذي يقيّدك بالأرض ،
ومثل الهواء بعد هطول أمطار غزيرة لن يكون هناك شيء يغيب عن الأفق
وسوف تغلف روحك النضارة مرة أخرى.
سوف تتنفس مرة أخرى ،
ليس بنصف رئتيك ولكن بكامل طاقتها ،
وسوف تشعر مرة أخرى برائحة الزهور تملأك بعمق في الداخل.
هذا الخوف الذي يخيم على روحك مثل ظل عشرة آلاف شتاء
لن يسكنك بعد الآن ،
لكن أجنحة طائر الفينيق الجميلة ستولد من جديد من رمادها.
الأجنحة التي ستحملك عالياً ، عالية جدًا ، أعلى من ذي قبل ،
لأنك أحرقت الخوف وحولته إلى رماد.
لن تعاقب نفسك بعد الآن وسوف تلتئم الرموش التي تحملها على ظهرك نتيجة يديك.
لن تكون الحياة بعد الآن مليئة بالألم ،
ولكن سيكون هناك اعتدال وأمل لأنك ستراها من صميمك ،
تلك التي نسيتها عندما اقتلعت قلبك ، لكنك نسيت شيئًا واحدًا ،
القلب ينمو مرة أخرى ، لديه المرونة كعقيدته ،
لذلك ستؤمن مرة أخرى وتشعر كما كنت تفعل ذات مرة بقلب مفتوح وبراءة طفل.
سترسم الابتسامات على شفتيك تولد صادقة وتستمر خلال العواصف
التي تجلبها الحياة. تحلى بالإيمان وصدق أنك سوف تشفى وسوف تفعل!



الجمعة، 4 سبتمبر 2020

     أيــــــام عــــالبــــــال

المشوار من الجامعة حتى جسر فكتوريا

             خلال فترة الدراسة الجامعية أوائل عام 1960 وعندما كان أكثر من نصف الشعب السوري الحالي لم يولد بعد ، كانت دمشق تحاول أن تتأقلم مع كونها لم تعد عاصمة الجمهورية السورية ، بل أصبحت عاصمة الإقليم الشمالي فقط ، ولم تعد تستقطب العمل الدبلوماسي وأصبحت السفارات عبارة عن قنصليات تتابع الشؤون المدنية لا السياسية ، لأن مدينة القاهرة الآن هي العاصمة للجمهورية العربية المتحدة الناشئة  .

بدأ يخيم على دمشق الياسمين جوا من الرتابة و السكينة و الإمتثال للواقع  ،بدا ذلك بتلاشي أهمية بعض المقاهي التي كانت ملتقى القوى السياسية والحزبية مثل مقهى الهافانا الذي يقابله مقهى البرازيل في شارع بور سعيد،أو كمقهى الروضة بشارع العابد حيث كان ملتقى نواب البرلمان، وحل بدلا عنها اللقاءات في مقاهي التسلية مثل مقهى الصّفى والفنادق المتوسطة بمنطقة البحصة القريبة من ساحة المرجة التي كانت تعتبر بمثابة مركز المدينة

      لم أكن من رواد المقاهي لذا كنت في المساء وبعد إنتهاء المحاضرات أذهب أحيانا في مشوار هادئ ، من الجامعة حتى جسر فكتوريا حيث أقضي بعض الوقت الذي يبعث النشاط والحيوية للعودة بعدها لمتابعة الدراسة .

كنت أنطلق من البهو الواسع لمدخل كلية الحقوق حيث مباني الجامعة التقليدية العريقة القريبة من حي الحلبوني ( البرامكة حاليا )، وأجتاز الشارع للجهة المقابلة حيث مبنى مكاتب شؤون الطلاب ، وبعده الباب الحديدي الكبير لمشفى الجامعة ، حيث يتدرب في أجنحته طلاب كلية الطب ، وأمشي الهوينا على الرصيف العريض  بمحاذاة الجدران الحجرية لمباني رئاسة الجامعة و مشافيها،وصولا لسوق الحلبوني المزدحم بمحلات القرطاسية وعرض الكتب التراثية ، حتى أصل لساحة محطة الحجاز ، حيث المبنى التاريخي للمحطة بطرازه المعماري المميز، ومن ثم أتجه  يسارا في الشارع العريض حيث يرتفع  في زاويتة أفخم فنادق دمشق بتلك الأيام - أوتيل أوريان بالاس (فندق قصر الشرق) ذو الواجهة الحجرية البيضاء وملتقى رجال السياسة والأعمال ، بعد أن أكون قد أمليت نظري بواجهة محل حلويات الأمراء .

 وفي أول هذا الشارع تقع سينما شعبية يرتادها الصغار غالبا لكونها تعرض أفلام المغامرات مثل طرزان وزورو ، وبعدها قد أرتقي درجات مبنى البريد المركزي المهيب لأرمي رسالة لأهلي في الصندوق الكبير الأحمر المعلق على الحائط وبجانبه هاتف للعموم يعمل بالقطع المعدنية . ومقابل المبنى في الجهة الأخرى من الشارع تلفت النظر اللوحة الكبيرة المضاءة ل "ملهى الكروان " وبجانبه العديد من مكاتب السفريات وعدد من المكتبات والصيدليات .

وما أن أتجاوز مبنى البريد حتى أصل إلى صالة سينما العباسية الحديثة بالطابق الأرضي وهي تشع بالأنوار والإضاءات وبوسترات دعاية الأفلام و غالبيتها أفلام عربية من أبطال السينما والغناء كفريد الأطرش وفاتن حمامه وعبدالحليم حافظ وعمر الشريف وفريد شوقي وغيرهم من نجوم تلك الأيام الذين لم يتكرروا حتى الآن.

 وعند نهاية الشارع أصل لجسر فكتوريا وذلك قبل سقف مجرى نهر بردى ، وبجانبه بالركن فندق سميراميس الضخم وقريبا منه صالة سينما دمشق ذات الطابقين التي تعرض هي الأخرى الأفلام العربية الشهيرة ، وبجانب مدخلها محل صغير لبيع الإسطوانات والمجلات الأجنبية وعلى واحهته الصورة الشهيرة لكلب يستمع وعبارة "صوت سيده " وبالجانب الآخر للسينما  "فندق قطان " الحديث والفخم ، وغير بعيد يقبع المبنى التاريخي الرائع لوزارة المعارف السورية .

وكثيرا ما كنت أسير حتى منتصف الرصيف المقام على نهر بردى وأقف متجها نحو الغرب متأملا مجرى نهر بردى بمحاذاة  شارع بيروت وصولا حتى الربوة ، وبالخلف حيث المباني الحكومية التراثية المطلة على نهر بردى وحتى النصب التذكاري لساحة المرجة .

وعندما أهم بالرجوع إلى المنزل كنت غالبا أذهب لموقف الباصات الرئيسي غير البعيد في شارع النصر ، حيث أختار باص " ميدان - بوابة " ليوصلني موقف الشويكة.

واليوم بعد مرور 60 سنة عندما أستذكر ذلك المشوار وتلك الأيام ، أشعر وكأنني أبحث عن قمر مفقود في شوارع معتمة ، وأناجي نفسي و أتسائل أين أنت ياقمر السماء المفقود ؟

لمن تقدم الآن الأشعة التي كنا نستضيئ بها والتي كانت تغسل وجوهنا بضوء الياقوت؟ أفتقدك وكأنه لا يوجد غدًا في سماء لا تكون فيها.

  والنجوم حتى الجميلة ، لا يمكن أن تمحو الحاجة لرؤية نورك

ارجع لي ، حتى لو كبرت بالسن ،ارجع لي ، حتى لو فات الأوان سأكون في انتظارك هنا عيناي تتجهان دائما نحو السماء وفمي لن يتعب من استدعائك.

محســـــن القطمه  مسيسياغا / تورنتو  4/ 9 / 2020







  يكمن سر "القصص العظيمة" في عدم وجود أسرار فيها. "القصص العظيمة" هي القصص التي سمعتها وتريد الاستماع إليها مرة أخرى. تل...